الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

283

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

في غير ذلك هؤلاء بنيّ ، فدونكم أحدهم فاقتلوه به ، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل . فغضبوا وقالوا : إنّا لم نأتك لتؤدي إلينا بنيك ، ولا لتسومنا اللبن . فتفرّقوا ووقعت الحرب . قالوا : كانت حربهم أربعين سنة ، فيهن خمس وقعات مزاحمات ( 1 ) . وفي ( عيون ابن قتيبة ) عن وهب : أنّ اللّه تعالى قال لشعيا : قم في قومك أوح على لسانك . فلما قام شيعا أنطلق اللّه لسانه بالوحي ، فقال : يا سماء استمعي ، يا أرض انصتي . فأنصتت الأرض ، واستمعت السّماء . فقال : إنّ اللّه تعالى يقول لكم : إنّي استقبلت بني إسرائيل بالكرامة ، وهم كالغنم الضائعة لا راعي لها ، فأويت شاذّتها وجمعت ضالّتها ، وجبرت كسيرها وداويت مريض ها ، وأسمنت مهزولها ، فبطرت فتناطحت ، فقتل بعضها بعضا ، حتّى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير . إنّ الحمار ممّا يتذكّر آريهّ الّذي شبع عليه فيراجعه ، وإنّ الثور ممّا يتذكّر مرجه الّذي سمن فيه فينتابه ، وإنّ البعير ممّا يتذكّر وطنه ألّذي نتج فيه فينزع إليه ، وإنّ هؤلاء القوم لا يذكرون أنّي جاءهم الخير ، وهم أهل الألباب وأهل العقول ، ليسوا بإبل ولا بقر ولا حمير ، وإنّي ضارب لهم مثلا فاسمعوه ، قل لهم : كيف ترون في أرض كانت زمانا من أزمانها خربة مواتا لا حرث فيها ، وكان لها ربّ قوي حليم ، فأقبل عليها بالعمارة ، وكره أن تخرب أرضه وهو قويّ ، وأن يقال له : ضيّع وهو عليم ، فأحاط عليها سياجا ، وشيّد فيها قصرا ، وأنبط فيها نهرا ، وصنف فيها غراسا من الزيتون والرمّان ، والنخيل والأعناب ، وألوان الثمار ، وولى ذلك ذا رأي وهمّة ، حفيظا قويّا أمينا ، فلمّا أن جاء إبّان إثمارها أثمرت خرّوبا ، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه قالوا : كنّا نقول : بئست الأرض أرضك . ونشير عليه

--> ( 1 ) لم أجده في الأغاني .